حبيب الله الهاشمي الخوئي

20

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بعذاب أليم ، حيث استعير التبشير الذي هو الاخبار بما يظهر سرور المخبر له للانذار الَّذي هو ضدّها بادخاله في جنسها على سبيل التهكَّم ، أي انذرهم بعذاب أليم . ( ولم تطلَّه فيها ديمة رخاء إلَّا هتنت عليه مزنة بلاء ) اسناد هتنت إلى مزنة من باب التوسّع والمعني أنّه لم تمطر على أحد في الدّنيا ديمة أي مطر خفيف موجب على رخاء حاله وسعة عيشه إلَّا انصبّت عليه أمطار كثيرة من مزنة البلاء وسحابة فتوجب شدّة حاله وضيق عيشه ، والغرض أنها إذا أعطت أحدا قليلا من الخير أعقبت ذلك بكثير من الضّر ( وحرىّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسى له متنكَّرة ) يعنى أنها جديرة حين أصبحت محبّة لامرء منتقمة لأجله من عدوّه أو متكلَّفة لنصره بأن تمسى مبغضة ومتغيّرة له ( وان جانب منها اعذوذب واحلولى ) أي صار عذبا وحلوا ( أمرّ منها جانب فأوبى ) أي صار مرّا فأوقع في المرض وفي هذا المعنى قال الشاعر : ألا انّما الدّنيا غضارة أيكة إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب فلا تكتحل عيناك منها بغيره على ذاهب منها فإنك ذاهب ( لا ينال امرء من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا ) أراد أنّه لا يبلغ أحد من طيب عيشها وسعتها ونعمتها رغبته وإرادته إلَّا حملته وأغشته من نوائبها ومصائبها التعب والمشقة كما هو يدرك بالعيان ومشاهد بالوجدان ، ولا يخفى ما في اتيان ينال بصيغة المضارع وارهقته بصيغة الماضي من النّكتة اللطيفة ، وهى الإشارة إلى أنّ نيل الرّغبة من غضارتها أمر متوقّع مشكوك وارهاق التعب من نوائبها أمر محقق ثابت . ( ولا يمسى منها في جناح أمن إلَّا أصبح على قوادم خوف ) أراد به عدم ثبات أمنها وسرعة انتقاله منه إلى الخوف ، ولا يخفى ما في تخصيص الأمن بالجناح والخوف بالقوادم لأنّ الجناح محلّ الأمن والسّاكن تحته مصون من الأذى ونيل المكروه متحصّن بحصن السّلامة ألا ترى أنّ الطائر يحصّن فرخه بجناحه حفظا له من المكاره والآلام ، وأما القوادم وهى مقاديم الرّيش فلا ريب أنّ الرّاكب عليها في معرض خطر عظيم وسقوط قريب هذا .